قيمة الكتاب وثمنه ..!!

By rawab6

من جزيرة موريشس كتب الشادي سعود الحركان يقول:

عندما نشرت كتاب الروابط كنت أظن أن المهتمين باللغة العربية ومصيرها سيهبّون للذود عنها دعماً للكتاب أو هجوماً عليه. لكن، ويا للأسف، وجدت نفسي أمام قواعد فكرية واقتصادية لم أكن أتوقعها، إضافة إلى كمّ من اللامبالاة وربما حتى اليأس.
في القاهرة، كانت ردة فعل اللغويين الأولى، التذمر من ثمنه، فاضطررت لإهدائه للكثير منهم بلا مقابل. وفي الرياض، وقف العديد من الاخوة “ الدكاترة”  المتخصصين، مترددين أوقاتاً طويلة يفكرون ويساومون في ثمن الكتاب حتى إن بعضهم قال لي صراحة:
“ ألا تظن أن سبعين ريالاً ثمن باهظ لكتاب في اللغة.”
ثم جاء معرض البحرين وتحولت أثمان الكتب إلى موضوع مطروح للمناقشة.
آه..  ما أغرب المعادلات التي يزن بها الإنسان العربي الأشياء؟

تعليقاً على ذلك الموضوع أحببت أن أطرح هذه المقالة متسائلاً: ما هي القيمة الحقيقية للكتاب؟ أهي في ورقه، أم في طباعته، أم في ما يحمل من أفكار؟ وما قيمة الفكرة؟ أهي في أصالتها، أم في الآفاق التي تفتحها لنا؟ وهل هناك معنى لمقولة إن كتاباً بعينه  “غالي الثمن”؟

حسناً، لنبدأ، أولاً، بتبسيط الموضوع بوضع مقاربة لطيفة بين الكتاب والدواء الذي يباع في الصيدليات. سبب المقاربة الاتفاق الكوني على تقسيم الكتب (كما تقسم الأدوية) لما: لا يضر إن لم ينفع، وما يضر إن لم ينفع.  أضف إلى ذلك أن التشابه في حقيقة أن الأدوية ) كالكتب) منها القيّم ومنها الرخيص. وفي كلتا الحالتين تقوم عملية التقييم على قواعد اقتصادية وحقائق إنسانية وقوانين لحماية الملكية الفكرية وتشجيع للابتكار، وإلا فما الذي يجعل حبة كحبة [الفياغرا] أغلى ثمناً من حبة الأسبرين، رغم أن فائدة الأسبرين] أعم]. أجد هنا إغراء شديداً للتساؤل: ما الذي يمنعنا، يا ترى، من إقامة معارض دولية للأدوية الطبية على غرار المعارض التي تقام للكتب، يذهب إليها العامة للتسلية وشراء أدوية الصداع والإسهال والقلب بتخفيضات كبيرة؟ فكرة لا بأس بها؟ ويعودون من تلك المعارض ليصنع كلّ منهم في بيته صيدلية يفاخر بها أقرانه، فيها أصناف من الأدوية التي لو اجترع من بعضها جرعة لمات من وقته…
نعود مرة أخرى لعالم الكتب ونتساءل: كيف يقيّم القارئ العربي كل كتاب وكيف يتحول التقييم إلى ثمن بعينه ؟
أولى معادلات التقييم، معادلة العرض والطلب التي ما تزال تشد القارئ العربي بنزق نحو كتب التراث والنصائح والفضائح والجنس والتجارب الشاذة المقززة. الناشرون يقولون: ما دام هذا ما يريده القارئ فهذا ما سنوفره له، والقراء يقولون: ما دامت كتب التراث والطبخ والفضائح هي الموجودة في كل معرض وفي كل رف فليس في “الإمكان أفضل مما كان ”. تأتي في المرتبة التالية حقيقة ثقافية غريبة ترتكز على عدم وجود أي تعريف واضح للفكرة في الثقافة العربية ولا أي قوانين لحمايتها. المعضلة التي لوثت ذوق القارئ العربي على مر العصور، وجعلته يهتم بالقصائد “ المسروقة” -  المكررة في مواضيعها المختلفة وفي أسلوب بنائها – والمواضيع الفلسفية المفلسة من أي فكرة بعينها.
أخيراً وليس آخراً، هناك معضلة سيطرة وعي القرون الوسطى على صناعة الكتاب بشكل عام. الوعي الذي يُقدس كل كتاب عن الدين والنحو (لا يتعارض مع الفكر الاجتماعي السائد في كل قطر) ، من جهة،  وينجذب بجنون نحو مواضيع  [التابو]، من جهة أخرى.
النتيجة أن الكتب في عالمنا العربي “المتراجع”  صارت ببساطة تكاد تكون ساذجة تقيّم ضمن  فئتين لا غير: “تستاهل” و ”ما تستاهل” ، كتب الفئة الأولى تُشترى، كحبات البطاطا المقلية الساخنة اللذيذة، مهما كان ثمنها. أفضل مثال على تلك الفئة كتاب  “بنات الرياض”  الذي عرفت أن أشخاصاً دفعوا مئات الدولارات ثمناً لنسخ مهربة منه، وكتاب ”لا تحزن”  الذي تمت له أكبر عملية تسويق دينية في تاريخ الكتاب العربي الحديث.
أما كتب الفئة الثانية، فتقيّم بطريقة وتثمّن بطريقة أخرى. يتم التقييم، بعدد الورق، شكل الغلاف وألوانه، غرابة الموضوع، والفائدة الأكاديمية، إن كان الكتاب علمياً. أما تثمين هذه الكتب فيتم بسعر الورق، أو ربما أقل، ولا تباع، في معظم الأحيان، إلا مدسوسة مرفقة بكتاب من الفئة الأولى.
تذكر أخيراً، أن أية محاولة لتثمين كتاب من الفئة الثانية (مهما كانت قيمة محتواه) بأسلوب آخر يجعله “ غالي” مبالغ في سعره. وهذا بالضبط، ما جعل زوار معرض البحرين يشتكون من غلاء أسعار الكتب التي ( ما تستاهل..).
لقد انخفض الدولار أمام اليورو فارتفع سعر الورق والطباعة.. ألم تلاحظوا ذلك يا سادة ؟؟؟

اترك رد